حليمة السعدية مرضعة الرسول
وبركة أم أيمن حاضنته صلى الله عليه وسلم
قالت حليمة غفر الله لها : قام صاحبي إلى شارفنا تلك فإذا هي لحافل، فحلب ما شرب وشربت حتى روينا فبتنا بخير ليلة.
فقال صاحبي حين أصبحنا: يا حليمة والله إني لأراك قد أخذت نسمة مباركة ألم ترى ما بتنا به الليلة من الخير والبركة حين أخذناه؟! فلم يزل الله عزوجل يزيدنا خيراً.
ثم خرجنا راجعين إلى بلادنا فوالله لقطعت أتان بالركب حتى ما يتعلق بها حمار حتى أن صواحبي ليقلن: ويلك يا بنت أبي ذؤيب هذه أتانك التي خرجت عليها معنا؟! فأقول: نعم والله إنها لهي.
فقلنا: والله إن لها لشأناً .. حتى قدمنا أرض بني سعد وما أعلم أرض من أرض الله أجدب منها فإن كانت غنمي لتسرح ثم تروح شباعاً لبناً فتحلب ما شئنا وما حوالينا - أو حولنا - أحد تبض له شاة بقطرة لبن وإن أغنامهم لتروح جياعاً حتى إنهم ليقولون لرعاتهم - أو لرعيانهم - ويحكم! انظروا حيث تسرح غنم بنت أبي ذؤيب فاسرحوا معهم فيسرحون مع غنمي حيث تسرح فتروح أغنامهم جياعاً ما فيها قطرة لبن وتروح أغنامي شباعاً لبناً نحلب ماشئنا فلم يزل الله يرينا البركة نتعرفها حتى بلغ سنتين فكان يشب شباباً لا تشبه الغلمان والله ما بلغ السنتين حتى كان غلاماً جفراً (مقبل على الأكل) فقدمنا به على أمه ونحن أضن شيء به مما رأينا فيه من البركة.
فلما رأته أمه قلت لها: دعينا نرجع بإبننا هذه السنة الأخرى فإنا نخشى عليه وباء مكة فوالله ما زلنا بها حتى قالت: نعم فسرحته معنا فأقمنا به شهرين أو ثلاثة.
فبينما هو خلف بيوتنا مع أخ له من الرضاعة في بهم لنا جاء أخوه ذلك يشتد فقال: ذاك أخي القرشي جاءه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه فنجده قائماً منتقعاً لونه فاعتنقه أبوه وقال: يا بني ما شأنك؟ قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض أضجعاني وشقا بطني ثم استخرجا منه شيئاً فطرحاه ثم رداه كما كان فرجعنا به معنا فقال أبوه: يا حليمة لقد خشيت أن يكون ابني قد أصيب فانطلقي بنا نرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف.
قالت حليمة: فاحتملناه فلم ترع أمه إلا به .. فقدمنا به عليهما فقالت: ما ردكما به يا ظئر (المرضع) فقد كنتما عليه حريصين؟ فقالا: لا والله إلا أن الله قد أدى عنا وقضينا الذي علينا وقلنا: نخشى الإتلاف والإحداث نرده إلى أهله.
فقالت: ما ذاك بكما فأصدقاني شأنكما؟ فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره.
فقالت: أخشيتما عليه من الشيطان، كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل والله إنه لكائن لابني هذا شأن ألا أخبركما خبره؟ قلنا: بلى!
قالت: حملت به فما حملت به فما حملاً قط أخف منه فأريت في النوم حين حملت به كأنه خرج مني نور أضاءت له قصور الشام ثم وقع حين ولدته وقوعاً ما يقعه المولود، معتمداً على يديه رافعاً رأسه إلى السماء، فدعاه عنكما.
قال الواقدي: حدثني معاذ بن محمد عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس: قال خرجت حليمة تطلب النبي صلى الله عليه وسلم وقد وجدت إلبهم تقيل فوجدته مع أخته فقالت: في هذا الحر؟ فقالت أخته: يا أمه ما وجد أخي حراً رأيت غمامة تظلل عليه إذا وقفت وإذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا الموضع.
قال ابن إسحاق: حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم قالوا له: أخبرنا عن نفسك. قال: (نعم أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى عليهما السلام، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، واستعرضت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا بهم لنا أتاني رجلان عليهما ثياب بيض معهما طست من ذهب مملوءاً ثلجاً فاضجعاني فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه علقة سوداء فألقياها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج، حتى إذا ألقياه رداه كما كان، ثم قال أحدهما لصاحبه : وزنه بعشرة من أمته فوزنني بعشرة فوزنتهم..
ثم قال زنه بمائة من أمته فوزني بمائة فوزنتهم..
ثم قال: زنه بألف من أمته فوزنني بألف فوزنتهم..
فقال: دعه عنك فلو وزنته بأمته لوزنهم!!
كانت أم أيمن واسمها: بركة تحضن الرسول صلى الله عليه وسلم وكان قد ورثها عليه الصلاة والسلام عن أبيه فلما كبر أعتقها وزوجها مولاه زيد بن حارثة، فولدت له أسامة بن زيد رضي الله عنهم وأرضعته مع أمه عليه الصلاة والسلام: مولاة عمه أبي لهب : ثوبية قبل حليمة السعدية.
أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما: من حديث الزهري عن عروة بن الزبير عن زينب بنت أم سلمة عن أم حبيبة بنت أبي سفيان قالت: يا رسول الله أنكح أختي بنت أبي سفيان - ولمسلم: عزة بنت أبي سفيان - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أو تحبين ذلك؟) قلت: نعم لست لك بمخلية وأحب من شاركني في خير أختي.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن ذلك لا يحل لي) قلت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة - وفي رواية درة بنت أبي سلمة - قال: (بنت أبي سلمة)؟ قلت: نعم. قال: (إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثوبية فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن) زاد البخاري: قال عروة وثوبية مولاة لأبي لهب أعتقها فأرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر خيبة فقال له: ماذا لقيت؟ فقال أبو لهب: لم ألق بعدكم خيراً غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثوبية - وأشار إلى النقرة التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع.
وذكر السهيلي وغيره: أن الرائي له هو أخوه العباس، وكان ذلك بعد سنة من وفاة أبي لهب بعد وقعة بدر. وفيه: أن أبا لهب قال للعباس: أنه ليخفف علي في مثل يوم الإثنين.
قالوا: لأنه لما بشرته ثوبية بميلاد ابن أخيه محمد بن عبدالله أعتقها من ساعته فجوزي بذلك لذلك. قال محمد بن إسحاق: استرضع له عليه الصلاة والسلام من حليمة بنت أبي ذؤيت، واسمه: عبدالله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن سعد بن بكر بن هوازن ابن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس عيلان بن مضر. قال: واسم زوج حليمة: الحارث بن عبد العزى بن رفاعة بن ملان بن ناصرة بن سعد بن بكر بن هوازن. وأخوته عليه الصلاة والسلام - يعني من الرضاعة - : عبدالله بن الحارث وأنيسة بنت الحارث وحذافة بنت الحارث - وذكروا أنها كانت تحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه إذ كان عندهم.
قال ابن إسحاق: حدثني جهم بن أبي جهم مولى لإمرأة من بني تميم كانت عند الحارث ابن حاطب ويقال له: مولى الحارث بن حاطب قال: حدثني من سمع عبدالله بن جعفر بن أبي طالب قال: حدثت حليمة بنت الحارث أنها قالت: قدمت مكة في نسوة ذكر الواقدي بإسناده أنهن كن عشر سيدات من بني سعد بن بكر يلتمس بها الرضعاء من بني سعد نلتمس بها الرضعاء في سنة شهباء (ذات قحط وجدب) فقدمت على أتان لي قمراء كانت أذمت بالركب ومعي صبي لنا وشارف (الشارف من الدواب: المسن) لنا والله ما تبض بقطرة وما ننام ليلتنا ذلك أجمع مع صبينا ذاك ما نجد في ثديي ما يغنيه ولا في شارفنا ما يغذيه ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج فخرجت على أتاني تلك فلقد أذمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفاً وعجفاً فقدمنا مكة فوالله ما علمت منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل: إنه يتيم تركناه قلنا: ماذا عسى أن تصنع إلينا أمه؟ إنما نرجو المعروف من أبي الولد فأما أمه فماذا عسى أن تصنع إلينا؟ فوالله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعاً غيري فلما لم نجد غيره وأجمعنا الانطلاق قلت لزوجي الحارث ابن عبد العزى: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. فقال: لا عليك أن تفعلي فعسى أن يجعل الله لنا فيه بركة.. فذهبت فأخذته فوالله ما أخذته إلا أني لم أجد غيره. فما هو إلا أن أخذته فجئت به رحلي. فأقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن فشرب حتى روى وشرب أخوه حتى روى.
الرسول وبحيرى الراهب
قال ابن إسحاق: خرج أبو طالب في ركب تاجراً إلى الشام فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير صب (لزمه) به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون فرق له أبو طالب وقال: والله لأخرجن به معي ولا أفارقه ولا يفارقني أبداً، أو كما قال - فخرج به فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له: بحيرا في صومعة له وكان إليه علم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب فيها إليه يصير علمهم عن كتاب - فيما يزعمون - يتوارثونه كابراً عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا - وكانوا كثيراً ما يمرون به فلا يكلمهم ولا يعرض لهم - حتى كان ذلك العام فلما نزلوا قريباً من صومعته صنع لهم طعاماً كثيراً وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه هو في صومعته: يزعمون أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركب حتى أقبل وغمامة تظلله من بين القوم ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريباً منه فنظر إلى الغمامه حين أظلت الشجرة وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها فلما رأى ذلك بحيرا نزل من صومعته وقد أمر بطعام فصنع ثم أرسل إليهم فقال: إني صنعت لكم طعاماً يا معشر قريش فأنا أحب أن تحضروا كلكم، كبيركم وصغيركم، وعبدكم وحركم، فقال له رجل منهم: والله يا بحيرا إن لك لشأناً اليوم! ما كنت تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيراً فما شأنك اليوم؟
قال له بحيرا: صدقت قد كان ما تقول ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم طعاماً فتأكلون منه كلكم .. فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه في حال القوم تحت الشجرة فلما رآهم بحيرا لم ير الصفة التي يعرف ويجده عنده فقال: يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي قالوا: يا بحيرا ما تخلف أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام وهو أحدثنا سناً فتخلف في رحالنا ..
قال: لا تفعلوا أدعوه فليحضر هذا الطعام معكم..
قال: فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى إن كان للؤم بنا أن يتخلف محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب عن طعام من بيننا ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم..
فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظاً شديداً وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرا وقال له: يا غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه - وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما - فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: لا تسألني باللات والعزى شيئاً فوالله ما أبغضت شيئاً قط بغضهما.
فقال له بحيرا: فبالله إلا أخبرتني عما أسألك عنه؟ فقال له: سلني عما بدا لك .. فجعل يسأله عن أشياء من حاله ومن نومه وهيئته وأموره فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه موضعه من صفته التي عنده .. فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب فقال: ما هذا الغلام منك؟
قال: ابني ..
قال بحيرا: ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حياً ..
قال: فإنه ابن أخي.
قال: فما فعل أبوه؟
قال مات وأمه حبلى به.
قال: صدقت ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شراً فإنه كائن لابن أخيك شأن عظيم فأسرع به إلى بلاده.
فخرج به عمه أبو طالب سريعاً حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام.
قال ابن اسحاق فزعموا فيما روى الناس: أن زريراً وثماماً، ودريسما - وهم نفر من أهل الكتاب - قد كانوا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلما رأى بحيرا في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب فأراده فردهم عنه بحيرا فذكرهم الله وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته وأنهم أجمعوا لما أرادوا لم يخلصوا إليه حتى عرفوا ما قال لهم وصدقوه بما أقل فتركوه وانصرفوا عنه.
حـــرب الفجــار
قال ابن إسحاق : هاجت (نشبت - حدثت) حرب الفجار ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة وإنما سمي يوم الفجار بما استحل فيه هذان الحيان - كنانة وقيس عيلان - من المحارم بينهما وكان قائد قريش وكنانة حرب بن أمية بن عبد شمس وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة حتى إذا كان وسط النهار كان الظفر لكنانة على قيس.
وقال ابن هشام: فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة سنة - أو خمسة عشرة سنة - هاجت حرب الفجار بين قريش ومن معها من كنانة وبين قيس عيلان وكان الذي هاجها: أن عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن أجاز لطيمة - أي تجارة - للنعمان بن المنذر فقال البراض بن قيس - أحد بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة - أتجيزها على كنانة؟
قال: نعم وعلى الخلق فخرج عروة الرحال وخرج البراض يطلب غفلته حتى إذا كان بتيمن ذي طلال بالعالية غفل عروة فوثب عليه البراض فقتله في الشهر الحرام، فلذلك سمي الفجار.
قال ابن هشام: فأتى آت قريشاً فقال: إن البراض قد قتل عروة وهو في الشهر الحرام بعكاظ.
فارتحلوا وهوازن لا تشعر بهم ثم بلغهم الخبر فأمسكت هوازن عنهم، ثم التقو بعد هذا اليوم أياماً والقوم متساندون على كل قبيل من قريش وكنانة رئيس منهم وعلى كل قبيل من قيس رئيس منهم.
قال وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أيامهم أخرجه أعمامه معهم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كنت أنبل على أعمامي) أي أرد عليهم نبل عدوهم إذا رموهم بها.
وقال السهيلي: والفجار بكسر الفاء على وزن قتال وكانت الفجارات في العرب أربعاً وذكرها المسعودي وآخرها: فجار البراض هذا وكان القتال فيه أربعة أيام: يوم شمطة، ويوم العبلاء، وهما عند عكاظ. ويوم الشرب وهو أعظمها يوماً وهو الذي حضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه قيدا رئيس قريش وبني كنانة - وهما حرب بن أمية وأخوه سفيان - أنفسهما لئلا يفروا وانهزمت يومئذ قيس إلا بني نضر فإنهم ثبتوا. ويوم الحريرة عند نخلة .. ثم تواعدوا من العام المقبل إلى عكاظ فلما توافوا الموعد ركب عتبة بن ربيعة جمله ونادى: يا معشر مضر علام تقاتلون؟! فقالت له هوازن: ما تدعو إليه؟ قال: الصلح. قالوا: وكيف؟ قال ندى قتلاكم ونرهنكم رهائن عليها، ونعفو عن دياتنا. قالواك ومن لنا بذلك؟ قالك أنا. قالوا: ومن أنت؟ قال: عتبة بن ربيعة. فوقع الصلح على ذلك وبعثوا إليهم أربعين رجلاً فيهم حكيم بن حزام فلما رأت بنو عامر بن صعصعة الرهن في أيديهم عفوا عن دياتهم وانقضت حرب الفجار.
قال الحافظ البيهقي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (شهدت مع مومتي حلف المطيبين فما أحب أن أنكثه - أو كلمة نحوها - وإن لي حمر النعم) قال: وكذلك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما شهدت حلفاً لقريش إلا حلف المطيبين، وما أحب أن لي حمر النعم وأني كنت نقضته) قال: والمطيبون: هاشم، وأمية وزهرة، ومخزوم. قال البيهقي: كذا روى هذا التفسير مدرجاً في الحديث ولا أدرى قائله. وزعم بعض أهل السير أنه أراد حلف الفضول فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدرك حلف المطيبين.
الرسول يتزوج خديجة بنت خويلد رضي الله عنها
قال ابن إسحاق: كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال على مالها فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج لها في مال تاجراً إلى الشام وتعطيه أفضل ما تعطي غيره من التجار مع غلام لها يقال له: ميسرة، فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وخرج في مالها ذاك وخرج معه غلامها ميسرة حتى نزل الشام، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة قريبة من صومعة راهب من الرهبان، فطلع الراهب إلى ميسرة فقال: من هذا الرجل الذي نزل تحت الشجرة، فقال ميسرة: هذا رجل من قريش من أهل الحرم. فقال له الراهب: ما نزل تحت إلا نبي !!
ثم باع رسول الله صلى الله عليه وسلم سلعته - يعني تجارته - التي خرج بها واشترى ما أراد أن يشتري ثم أقبل قافلاً (راجعاً) إلى مكة ومعه ميسرة، فكان ميسرة - في يزعمون - إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو يسير على بعيره، فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فأضعف أو قريباً، وحدثها ميسرة عن قول الراهب وعما كان يرى في ظلال الملائكة إياه .. وكانت خديجة امرأة حازمة شريفة لبيبة مع ما أراد الله بها من كرامتها فلما أخبرها ميسرة ما أخبرها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: - فيما يزعمون - يابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك .. ثم عرضت نفسها عليه وكانت أوسط نساء قريش نسباً وأعظمهن شرفاً وأكثرهن مالاً وكان كل قومها حريصاً على ذلك منها لو يقدر عليه .. فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه عمه حمزة حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها عليه الصلاة والسلام.
قال ابن هشام: فأصدقها عشرين بكرة (ناقة صغيرة) وكانت أول تزوجها ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.
يتبع ..>>